بغداد- أحمد عبد الكريم محسن الربيعي
عانى الاقتصاد العراقي لعقود خلت من تدهور كبير، نظراً للأوضاع السياسية والأمنية في البلاد، سيما بعد دخول القوات الأميركية للعراق عام 2003، حيث أنعكس هذا التدهور بشكل سلبي وكبير على المواطن العراقي البسيط الذي عانى الأمرين من السياسيات الاقتصادية الخاطئة، وتحمله أعباء ونتائج التشريعات والخطط غير المدروسة، سواء على الصعيد القانوني أو التنفيذي.
وكان من بين هذه التشريعات ما له تأثير على الاقتصاد والمواطن على حد سواء، مثل قانون الضرائب الذي لاقى اعتراضات كبيرة من قبل المختصين والمراقبين للشأن الاقتصادي، من الناحية القانونية والتنفيذية خصوصاً في ظل الظروف الراهنة التي مر بها العراق خلال سبع سنوات مضت، وللوقوف على أهم ما يكتنف هذا القانون من مشاكل، أجرت "أسواق العراق" جولة سريعة في العاصمة العراقية بغداد، لتستطلع أراء بعض المختصين في هذا المجال.
فكانت جولتنا الأولى مع الخبيرالاقتصادي د ميثم لعيبي، الذي تحدث لـ"أسواق العراق" عن القواعد الضريبية التي يجب أن تتبع لإستحصال الضرائب من المكلفين فقال :"هناك قواعد عامة لفرض الضرائب، ومن أهمها هي قاعدة العدالة، وتعني أنه يجب توزيع عبء الضريبة على الأفراد المكلفين، وهناك عدة نظريات حول هذا المفهوم، منها نظرية الضربة التصاعدية والتي تنص على أنه كلما أرتفع الدخل يرتفع معه الوعاء الضريبي وبالعكس.
وهذا يعتمد على قاعدة مهمة تسمى قاعدة "اليقين" أي يجب أن تكون الضريبة مؤكدة وليس تحكمية، ذات أسعار واضحة ومحددة، فضلاً عن تفعيل الجانب الإعلامي من قبل الهيئة لزيادة الوعي الضريبي، كي يعلم الفرد المكلف في أي فئة يقع". وبيّن ان "ضرائب الدخل الموجودة في العراق هي ضرائب مباشرة تختلف عن الضرائب الغير مباشر، وهذه تفرض بصورة طبيعية على الضرائب الاستهلاكية أكثر مما هي على الدخل، لأن مستوى الدخل هو في الأساس منخفض، وفيما فرضت ضرائب على أصحاب الدخول المنخفضة فإنك سوف تمس بالحاجات الأساسية للمواطن كالغذاء والسلع والخدمات وغيرها".

وللضرائب علاقة وثيقة مع التاجر العراقي، الذي طالب "الحكومة العراقية بتقنين الضرائب واقتصارها على الضريبة التي تدفع عند المنافذ الحدودية فقط" وهذا ما أشار إليه التاجر ناصر عبد الأميرفي حديثه لنا "يجب أن يكون هناك ضريبة واحدة قطعية عند المنافذ الحدودية على التاجر، وليس إغراقه بمجموعة كبيرة من الضرائب، والتي ستنعكس سلباً فيما زادت على أسعار السلع والبضائع، وبالتالي فإن المستهلك العام هو المتضرر الوحيد من هذه العملية".
ويوضح عبد الامير ان "المواطن لا يعلم مجموعة الضرائب المترتبة عليهم، ابتداء من ضريبة العقار وضريبة المهنة وضريبة الدخل ورسوم الإعلام التي تدفع في المنافذ الحدودية وغيرها، وهذا يتطلب جهد إعلامي كبير من الهيئة العامة للضرائب لتعريف المواطن بمجموع هذه الضرائب" مطالباً "الهيئة العامة للضرائب والتابعة لوزارة المالية بالتريث في قانون الضرائب والنظر بعين الاعتبار للظروف الاستثنائية التي يعيشها المواطن في هذه المرحلة".
ومن جهته، أكد المستشار في غرفة تجارة بغداد عبد الرسول الحسناوي على وجود خلل كبير في قانون الضرائب فقال ان "قضية الضرائب فيها إشكالات وخلل كبير في العراق، خصوصاً من ناحية التثقيف وزيادة الوعي الضريبي، فالتاجر والمواطن تفاجئان عند مراجعتهما للدوائر بوجود ضرائب مترتبة عليهما" مشيراً إلى "إن قانون الضربة هو قانون قديم ويجب تعديله ووضع خطة جديدة للضرائب".
فيما رد مدير القسم القانوني في الهيئة العامة للضرائب عمر خيري إبراهيم على هذا الحديث فقال :"ليس هناك مشاكل قانونية في قانون الضرائب، لكن الخلل يكمن في الإجراءات والتعليمات المطبقة للقانون، فهناك سوء فهم للقانون أو قد يتحمل الروتين القاتل للكثير من الدوائر ومن ضمنها الهيئة العامة للضرائب بعض المسؤولية عن مشاكل التجار، وما على الجميع إلا مراجعة التعليمات بصورة دقيقة والابتعاد عن الوسطاء في مراجعاتهم الضريبية لأن ذلك سيؤدي إلى تحملهم تكاليف أكبر من الضرائب نفيها".
وعن التعدد الضريبي تحدث إبراهيم :"لا يوجد تعدد ضريبي لكن سوء معرفة القانون الضريبي بشكل دقيق يجعل الكثيرين يعتقدون بأن هناك تعددا ضريبيا، أما الأمانات التي تستقطع من قبل الضرائب عند المنافذ الحدودية فلا تختلف عن الضرائب العامة، فقد خول القانون الدولة استيفاءها قبل السنة التقديرية وهذا الغرض من هذا الاستيفاء وهو حماية أموال الدولة من جهة والمواطن من جهة أخرى".
أما الإعلامي الاقتصادي جهاد الربيعي فقد طالب الحكومة العراقية بفرض ضرائب على الشركات العالمية الفائزة بجولة التراخيص النفطية فقال :"يجب على الحكومة أن تفرض ضرائب على الشركات النفطية الفائزة بجولات التراخيص في قطاعي النفط والغاز"مشيراً إلى "إن فرض ضريبة على تلك الشركات بنسبة 1% ستعمل على إيجاد ومردود مالي كبير يعادل ما تحصل عليه الدولة من الضرائب من المواطن البسيط بكافة القطاعات بنسبة 100% أو 200% وقد تصل إلى 1000% ، هذه المبالغ التي تحصل عليها الهيئة العامة للضرائب من الشركات النفطية سترفع حمل ثقيل عن ضريبة العقار وضريبة المركبة وضريبة الدخل والمبيعات والتي لا تعادل 0.001 % من النفط".
وعن هذه المطالبة قال مدير القسم القانوني في الهيئة عمر خيري "إن قانون ضربة الدخل رقم 13 لسنة 1982 أشار بفرض تلك الضرائب وجبايتها بصورة عامة، أما الحكومة العراقية الحالية فقد أعدت قانون لفرض ضرائب دخل على الشركات الأجنبية العاملة في العراق رقم 19 لسنة 2010 شرع من قبل وزارة النفط ووزارة المالية". موضحاً :"إن القانون ينص على فرض ضريبة تصل إلى 35 % على الشركات الأجنبية العاملة في قطاع النفط والغاز،.. وهذه سنستثمرها في قطاع النفط، وهي تشكل إيرادا كبيرا جداً، ولكن تلك الضرائب ستجبى بعد أن تعمل الشركة وتقدم حساباتها بعد مرور السنة المالية وقدوم السنة التقديرية". ولاقى قانون الضرائب وتعليماته النافذة انتقاد الخبراء في المحاسبة العامة والضريبية، فقد أنتقد المحاسب القانوني ومراقب الحسابات زكي غازي عبد الرزاق هذه التعليمات وأعتبرها "ظالمة للكثير من أصحاب الحرف والمعامل الصغيرة والتي توقفت عن مزاولة النشاط خلال السنوات الماضية" وقال :"الهيئة العامة للضرائب تتخذ من القانون القديم الذي أعطاها الحق بأن تقدر احتياطيا أي شخص قبل السنة المالية، حتى لو لم يكن له نشاط تحاسبه وتأخذ منه أمانات إلى حين تقديم كشفه الحسابي، وهذه العملية الحقت الضرر بالكثير من الذين لا يزاولون النشاط، فأغلب المعامل في العراق متوقفة لعدم توفر التيار الكهربائي كمعامل الخياطة ومعامل النجارة ومعامل البلاستيك التي تعتمد على الطاقة الكهربائية بشكل أساس".
وبيّن ان "المكلف الذي يمتلك وعيا ضريبيا عندما يذهب إلى الهيئة العامة للضرائب ويقدم طلب يبين فيه عدم مزاولته للمهنة وانه متوقف عن العمل، فإن الهيئة تحيله إلى سلسلة حلقات ومنها إحالته إلى لجنة التنمية الصناعية لجلب تأييد بتوقف النشاط، وبذلك فإن التنمية الصناعية تحدد لجنة واللجنة تجري كشفا موقعيا مع ممثل من الهيئة العامة للضرائب، على حساب إعفاءه من الضرائب" ويشير عبد الرزاق إلى ان "هذه العلمية أدت إلى قيام العديد من أصحاب الشركات والمعامل من الذين يزاولون عملهم بشكل طبيعي إلى التهرب من الضرائب من خلال تقديم نفس الطلب ورشوة اللجان وبذلك فإنها تعتبر ثغرة قانونية يتمكن من خلالها البعض التهرب من الضرائب".
وهذا ما أكده الإعلامي جهاد الربيعي الذي أشار إلى :"إن هناك ازدواجية كبيرة من هيئة الضرائب التي يجب أن تكون هي الأساس في الجباية، لا أن يكون الجابي والمخمن الضريبي هو الأساس في العملية الضريبية، مما سيؤدي إلى تعدد منافذ التسويق الضريبي مما يضعف حالة الشفافية والنزاهة لدى المخمن والمواطن على حد سواء". وفيما يخص تفعيل الجانب الإعلامي للهيئة العامة للضرائب، أوضح الصحفي والإعلامي هاني العقابي ان "التثقيف الضريبي يجب أن يتاح للمواطن المكلف بدفع الضرائب، وهذا ما يقع على عاتق قسم الإعلام في الهيئة نفسها، فيجب توعية المواطن حول أنواع الضرائب والمبالغ المترتبة عن كل ضريبة، وهل هي ضريبة دخل أم ضريبة مركبات أو ضريبة عمل وغيرها من الضرائب" مشيراً إلى "إن على الإعلام العراقي اتخاذ دور فاعل في زيادة الوعي الضريبي لدى المواطن العراقي، من خلال الندوات والحلقات النقاشية والتقارير والتحقيقات التي تعرض بشكل مباشر في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة"، وطالب في الوقت نفسه "الدولة بشكل عام ووزارة المالية بشكل خاص بتخفيف الضرائب عن كاهل المواطن الذي أثقلته هموم الوضع الحالي والمتأزم، وهذا من جانب إنساني وواجب محتم عليها، وأن على الهيئة العامة للضرائب ومجلس الوزراء إعادة النظر في الضرائب الفائتة وإطفاء الديون المترتبة على المواطنين وأصحاب المعامل الصغيرة، سيما أن أغلبها متوقفة عن العمل منذ 2003، فكيف تجبى ضريبة عن عمل متوقف في الأصل؟". |